أسباب الاكتئاب لا ترتبط دائما بحدث مؤلم أو مشكلة واضحة يمكن تحديدها بسهولة حيث أنه قد يبدأ لدى بعض الأشخاص تدريجيا نتيجة تداخل مجموعة من العوامل النفسية والبيولوجية والوراثية مع ضغوط الحياة اليومية، وقد يمر الشخص بفترة صعبة دون أن يدرك أن بعض الظروف المحيطة به قد تزيد خطر الإصابة بالاكتئاب، فما العوامل التي يمكن أن تقف وراء هذه الحالة؟ وهل يمكن أن يحدث الاكتئاب دون سبب واضح؟ في هذا المقال نتعرف إلى أبرز أسباب الاكتئاب والعوامل التي قد تزيد احتمالية الإصابة به مع توضيح متى تستدعي الأعراض طلب المساعدة المتخصصة.
ما هي أسباب الاكتئاب؟
لا يوجد سبب واحد يفسر ظهور الاكتئاب لدى الجميع فقد تتداخل عوامل نفسية وبيولوجية ووراثية وتجارب حياتية لتزيد قابلية الشخص للإصابة به؛ لذلك عند البحث عن أسباب الاكتئاب من الأفضل النظر إلى مجموعة العوامل التي قد تعمل معا بدلا من ربط الحالة بسبب واحد فقط.
وتؤكد الجهات الطبية أن هذه العوامل تختلف من شخص لآخر وقد يظهر الاكتئاب أحيانا من دون وجود سبب واضح يمكن تحديده.
هل الاكتئاب سببه نفسي أم عضوي؟
الاكتئاب اضطراب في الصحة النفسية لكنه لا ينشأ بالضرورة بسبب نفسي فقط فقد تساعد الضغوط المستمرة والصدمات والعزلة والمشكلات العائلية أو الشعور المزمن بالإرهاق في زيادة خطر الإصاب.
وفي المقابل يمكن لبعض الأمراض الجسدية أن ترتبط بظهور أعراض الاكتئاب أو تزيدها مثل اضطرابات الغدة الدرقية والألم المزمن وبعض الأمراض طويلة المدى كما قد تتداخل العوامل النفسية والبيولوجية معا بدلا من أن يعمل أحدهما بمفرده.
دور العوامل الوراثية في الإصابة بالاكتئاب
وجود تاريخ عائلي للاكتئاب قد يزيد قابلية الإصابة، لكن ذلك لا يعني أن المرض ينتقل بصورة حتمية من الوالدين إلى الأبناء حيث تشير الأبحاث إلى أن مجموعة من الاختلافات الجينية قد تؤثر في الاستعداد للإصابة.
مع وجود دور مهم للعوامل البيئية وتجارب الحياة؛ ولهذا قد يصاب شخص بالاكتئاب رغم عدم وجود تاريخ عائلي بينما قد لا يصاب به شخص لديه قريب يعاني منه.
تأثير كيمياء الدماغ والهرمونات
يرتبط الاكتئاب بتغيرات في طريقة عمل بعض مناطق الدماغ وشبكات الاتصال العصبي كما قد تتأثر المواد الكيميائية التي تستخدمها الخلايا العصبية للتواصل لكن اختزال أسباب الاكتئاب في فكرة وجود نقص في مادة كيميائية واحدة لا يعكس الصورة الطبية كاملة؛ فالعلاقة أكثر تعقيدا وتتداخل فيها الجينات والبيئة ووظائف الدماغ كذلك يمكن للتغيرات الهرمونية أن تؤثر في المزاج لدى بعض الأشخاص خصوصا خلال الحمل وبعد الولادة وقرب انقطاع الطمث.
وتشير هذه الصورة إلى أن التغيرات الهرمونية لا تفسر الحالة لدى كل شخص كما أن وجود عامل بيولوجي لا يعني أن الإصابة مؤكدة؛ وذلك لأن الاكتئاب غالبا نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد الشخصي والظروف المحيطة والتغيرات الجسدية وقد تختلف أهمية كل عامل بحسب العمر والحالة الصحية والتجارب التي يمر بها الشخص.
الأسباب النفسية للاكتئاب
قد تؤثر التجارب الصعبة في الحالة النفسية لفترة مؤقتة لكن استمرار أثرها أو تراكمها قد يزيد من احتمال ظهور الاكتئاب لدى بعض الأشخاص ولا يمكن اعتبار تجربة واحدة سبب مؤكد للإصابة لأن أسباب الاكتئاب عادة ما تكون نتيجة تداخل عدة عوامل نفسية وبيولوجية وبيئية مثل:
الصدمات النفسية
قد تترك التجارب الصادمة مثل التعرض لحادث خطير أو فقدان الأمان أو المرور بتجربة عنيفة أو آثار نفسية تمتد لفترة طويلة وقد تظهر بعد الصدمة مشاعر الحزن والخوف وصعوبة النوم والعزلة وفي بعض الحالات ترتبط هذه التجارب بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب خاصة عندما تستمر الأعراض وتؤثر في الحياة اليومية.
الحزن وفقدان شخص مقرب
فقدان شخص عزيز يسبب حزن طبيعي وقد يحتاج الإنسان إلى وقت حتى يتكيف مع غيابه لكن لدى بعض الأشخاص قد يتحول هذا الحزن إلى اكتئاب خصوصا إذا استمرت المشاعر الشديدة وأصبحت تعيق العمل أو العلاقات أو الأنشطة المعتادة؛ لذلك لا يعني الشعور بالحزن بعد الفقد وجود اكتئاب تلقائيا.
الضغوط المستمرة
المشكلات المالية وضغوط العمل والخلافات الأسرية والمرض والمسؤوليات المتواصلة قد تجعل الشخص في حالة إجهاد نفسي لفترات طويلة، ومع استمرار الضغط وقلة الدعم أو الانعزال عن الآخرين قد تزداد قابلية ظهور أعراض الاكتئاب لدى بعض الأشخاص.
تدني تقدير الذات
الشعور المستمر بعدم القيمة أو لوم النفس بصورة مبالغ فيها قد تكون من أهم أسباب الاكتئاب التي يمر بها الشخص، حيث يرتبط تدني تقدير الذات أحيانا بالتجارب المبكرة أو بعض السمات الشخصية أو الظروف الحياتية لذلك قد يكون عاملا يزيد القابلية ولا يمثل سببا منفردا للحالة.
التعرض للإساءة أو العنف
التعرض للإساءة النفسية أو الجسدية أو الإهمال سواء في الطفولة أو مراحل لاحقة من الحياة قد يترك آثار عميقة في الصحة النفسية، كما أن استمرار التعرض للعنف أو غياب الدعم الاجتماعي قد يزيد احتمال ظهور مشكلات نفسية ومنها الاكتئاب.
الأسباب الاجتماعية التي قد تؤدي إلى الاكتئاب
ترتبط الحالة النفسية بالبيئة المحيطة، حيث نجد أن العلاقات والظروف الاجتماعية قد تؤثر في المزاج خصوصا عندما تستمر الضغوط دون دعم أو فرصة كافية للتعامل معها، وتعتبر هذه العوامل من أسباب الاكتئاب المحتملة لكنها لا تعني أن كل من يمر بها سيصاب بالاكتئاب، وأهم هذه العوامل هي:
الوحدة والعزلة الاجتماعية
قد يزيد الابتعاد عن الأهل والأصدقاء والشعور بعدم وجود شخص يمكن التحدث معه من قابلية ظهور أعراض الاكتئاب وقد تدخل العزلة أحيانا في دائرة متكررة؛ حيث نجد أن المزاج المنخفض يدفع الشخص إلى الانسحاب ما يزيد شعوره بالوحدة.
المشاكل الأسرية والزوجية
الخلافات المستمرة والانفصال والمشكلات داخل الأسرة قد تضع الشخص تحت ضغط نفسي متواصل ولا ترتبط النتيجة بوجود خلاف عابر وإنما قد يصبح تأثيرها أكبر عندما تستمر المشكلات وتؤثر في الإحساس بالأمان والدعم.
ضغوط العمل والدراسة
العمل تحت ضغط دائم أو الخوف من فقدان الوظيفة أو تراكم متطلبات الدراسة والقلق بشأن الأداء كلها ظروف قد تؤثر في الصحة النفسية وتكون واحدة من أسباب الاكتئاب المهمة، ويزداد العبء عندما لا يجد الشخص وقت كافي للراحة أو الدعم.
المشاكل المالية
الديون وتراكم الالتزامات وعدم استقرار الدخل قد تخلق شعور مستمر بالقلق وقد ترتبط بزيادة خطر الاكتئاب لدى بعض الأشخاص كما قد تؤدي الضائقة المالية إلى الانسحاب الاجتماعي فتتداخل عدة عوامل في الوقت نفسه.
الأسباب الطبية والجسدية للاكتئاب
لا تقتصر أسباب الاكتئاب على العوامل النفسية أو الظروف الحياتية؛ وذلك لأن بعض المشكلات الصحية والتغيرات الجسدية قد ترتبط بظهور أعراض الاكتئاب أو تزيد حدتها.
لذلك قد يراجع الطبيب الحالة الصحية والأدوية المستخدمة وقد يطلب بعض الفحوصات عند وجود ما يشير إلى سبب جسدي يحتاج إلى علاج مثل:
الأمراض المزمنة
قد يرتبط الاكتئاب ببعض الأمراض طويلة المدى خاصة الحالات التي تسبب ألم مستمر أو تؤثر في قدرة الشخص على ممارسة أنشطته المعتادة، وتشمل الأمثلة أمراض القلب والسرطان والسكتة الدماغية وبعض الحالات التي يصاحبها ألم مزمن.
اضطرابات الغدة الدرقية
عند وجود قصور في الغدة الدرقية قد يسبب ذلك ظهور أعراض تشبه الاكتئاب مثل انخفاض المزاج والخمول؛ ولذلك قد يطلب الطبيب تحليل وظائف الغدة عند تقييم الأعراض خصوصا إذا ظهرت معها علامات جسدية أخرى.
التغيرات الهرمونية
تؤثر التغيرات الهرمونية في الحالة المزاجية لدى بعض الأشخاص ومن أمثلتها التغيرات التي تحدث خلال الحمل وبعد الولادة وكذلك خلال مرحلة انقطاع الطمث ولا يعني حدوث هذه التغيرات أن الاكتئاب سيظهر حتما لكنها قد تكون أحد العوامل المرتبطة به.
بعض الأدوية وعلاقتها بالاكتئاب
ترتبط بعض الأدوية بظهور أعراض اكتئاب لدى بعض الأشخاص ومنها أنواع معينة من أدوية ارتفاع ضغط الدم أو أدوية النوم.
لذلك من المهم إخبار الطبيب بجميع الأدوية المستخدمة وعدم إيقاف أي دواء موصوف من تلقاء النفس وإنما مناقشة الأمر مع الطبيب لتقييم البدائل المناسبة.
أسباب الاكتئاب عند المرأة
تمر المرأة بمراحل تحدث خلالها تغيرات هرمونية وجسدية ونفسية قد تؤثر في المزاج لدى بعض النساء ولا تعني هذه التغيرات الإصابة بالاكتئاب حتما لأن أسباب الاكتئاب عادة ما تنتج عن تداخل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية مختلفة.
الاكتئاب المرتبط بالدورة الشهرية
قد تظهر تغيرات بسيطة في المزاج قبل الدورة الشهرية لذلك قد تكون مرحلة ما قبل الطمث أحد أسباب الاكتئاب عند النساء التي يصاحبه الحزن أو التهيج أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة وغالبا ما تتكرر الأعراض في الفترة السابقة للحيض ثم تتحسن بعد بدء الدورة.
الاكتئاب أثناء الحمل
الحمل لا يمنع ظهور الاكتئاب فقد تتداخل التغيرات الهرمونية مع الضغوط الجسدية والنفسية خلال هذه المرحلة ومن العلامات التي تستحق الانتباه:
- استمرار الحزن أو القلق.
- فقدان المتعة والاهتمام بالأنشطة المعتادة.
- التعب الشديد وصعوبة التركيز.
- اضطراب النوم أو الشهية.
- الشعور بالذنب أو عدم القيمة.
اكتئاب ما بعد الولادة
يختلف اكتئاب ما بعد الولادة عن التقلبات المزاجية البسيطة التي قد تمر بها الأم بعد الإنجاب، حيث يستمر الحزن والقلق والإرهاق بصورة تؤثر في أداء المهام اليومية أو العلاقة مع الطفل.
وقد يرتبط ذلك بالتغيرات الهرمونية وضغوط رعاية المولود وقلة النوم إلى جانب عوامل أخرى.
التغيرات الهرمونية في سن اليأس
مع الانتقال إلى سن اليأس قد تحدث تغيرات هرمونية يصاحبها اضطراب النوم والهبات الساخنة وتقلبات المزاج فتكون أحد أسباب الاكتئاب المهمة التي يجب النظر إليها.
لكن عندما يصبح الحزن أو القلق أو فقدان المتعة شديد ومستمر فقد تكون هذه علامة على الاكتئاب وتستدعي استشارة من متخصصين.
هل يمكن أن يحدث الاكتئاب دون سبب واضح؟
قد تظهر أعراض الاكتئاب حتى عندما لا يستطيع الشخص تحديد مشكلة أو موقف واضح وراءها، وبالتالي فإن أسباب الاكتئاب لا ترتبط دائما بحدث واحد، وقد تتداخل عوامل نفسية وجسدية وبيئية وتتراكم تدريجيا قبل أن تبدأ الأعراض في الظهور.
لماذا قد يصاب الشخص بالاكتئاب رغم عدم وجود مشكلة واضحة؟
قد تكون هناك عوامل لا يلاحظها الشخص أو لا يربط بينها وبين حالته النفسية، مثل:
- الضغوط المتراكمة حيث يؤثر التعرض المستمر للتوتر والإرهاق في الحالة النفسية حتى دون أزمة واضحة.
- العوامل الوراثية مثل وجود تاريخ عائلي للاكتئاب قد يزيد قابلية الإصابة لدى بعض الأشخاص.
- تغيرات الجسم والهرمونات لها تأثير كبير حيث تسبب بعض الاضطرابات الهرمونية أو الصحية التغير في المزاج وتزيد الأعراض.
متى يجب البحث عن سبب طبي أو نفسي؟
إذا استمرت الأعراض أو بدأت تؤثر في النوم والعمل والعلاقات الاجتماعيه والاسرية والحياة اليومية، فمن المهم البحث عن أسباب الاكتئاب المحتملة مع الطبيب أو المختص النفسي، وقد يساعد التقييم في اكتشاف مشكلة صحية أو دواء أو عامل نفسي يساعد في ظهور الأعراض حتى لو لم يكن السبب واضح للشخص منذ البداية.
هل يمكن الوقاية من الاكتئاب؟
لا يمكن منع الاكتئاب في جميع الحالات لأن أسباب الاكتئاب قد ترتبط بعوامل وراثية أو بيولوجية أو ظروف حياتية يصعب التحكم فيها، ومع ذلك يمكن لبعض العادات وطرق التعامل مع المشكلات أن تقلل من العوامل التي تزيد خطر الإصابة مثل:
التعامل مع الضغوط النفسية
تراكم الضغوط اليومية لفترات طويلة قد يؤثر في الحالة النفسية؛ لذلك يفيد تعلم طرق صحية للتعامل معها بدلا من تجاهلها أو كبتها مثل:
- تنظيم المهام حيث يتم تقسيم المسؤوليات الكبيرة إلى خطوات أصغر يقلل الشعور بالإرهاق.
- الحصول على قسط كاف من النوم لأن اضطراب النوم المستمر قد يؤثر في المزاج والقدرة على التعامل مع الضغوط.
- النشاط البدني لأن ممارسة الحركة بانتظام يمكن أن تدعم الصحة النفسية وتحسن المزاج لدى كثير من الأشخاص.
- تخصيص وقت للراحة وذلك لأن الحصول على فترات منتظمة للراحة والهوايات يساعد على تقليل التعرض لحالات نفسية سيئة.
أهمية الدعم الاجتماعي
وجود أشخاص يمكن التحدث معهم بصراحة قد يكون عامل مهم في الحفاظ على الصحة النفسية؛ وذلك لأن التواصل مع الأسرة أو الأصدقاء والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية وطلب المساعدة عند مواجهة مشكلة صعبة كلها طرق تساعد على تقليل العزلة والشعور بالوحدة.
ولا يشترط أن يكون الدعم في صورة حلول مباشرة؛ أحيانا يكون الاستماع والتفهم كافيين لتخفيف العبء النفسي.
متى تكون الاستشارة النفسية مفيدة؟
قد تكون الاستشارة النفسية مناسبة عند استمرار الحزن أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة أو صعوبة التعامل مع الضغوط أو تكرار المشاعر السلبية وتأثيرها في النوم والعمل والعلاقات.
كما يمكن الاستعانة بها بعد أحداث مؤلمة أو تغييرات كبيرة في الحياة حتى قبل ظهور أعراض للاكتئاب واضحة، ويساعد المختص النفسي على فهم المشاعر وتحديد طرق أكثر فاعلية للتعامل معها وقد يوصي بتقييم طبي أو علاج إضافي إذا ظهرت علامات تستدعي ذلك.


